صديق الحسيني القنوجي البخاري

227

فتح البيان في مقاصد القرآن

في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ، ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات ، وقد ورد في صفة الوضوء وفضله من الأحاديث الصحيحة الكثير الطيب لا نطول بذكرها هنا . وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا أي فاغسلوا بالماء ، وقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء استدلالا بهذه الآية ، وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء ، وهذه الآية هي للواجد على أن التطهر هو أعم من الحاصل بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه وهو التراب . وقد صح عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء . وقد تقدم تفسير الجنب في النساء ، والمراد بالجنابة هي الحاصلة بدخول حشفة أو نزول مني ، وهذا هو حقيقتها الشرعية ، وانظر لم لم يجعلوها شاملة للحيض والنفاس مع أنه أفيد . وعن عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء يخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاثة غرفات بيديه ثم يفيض على سائر جسده ، « 1 » أخرجه الشيخان . وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ . قد تقدم تفسير هذا وأحكامه في سورة النساء مستوفى ، ومن في قوله منه لابتداء الغاية وقيل للتبعيض ، قيل ووجه تكرير هذا هو استيفاء الكلام في أنواع الطهارة ، وفيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب . ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق عليكم في الدين ومنه قوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] والجعل هنا بمعنى الإيجاد والخلق ، ومن مزيدة فيه أو بمعنى التصيير . ثم قال تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير لها وقيل من الحدث الأصغر والأكبر وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي بالترخيص لكم والتيمم عند عدم الماء أو بما شرعه لكم من الشرائع التي عرضكم بها للثواب وما تحتاجون إليه من أمر دينكم ، قال سعيد بن جبير : تمام النعمة دخول الجنة ، لم يتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته عليكم فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الغسل باب 4 ، والنسائي في الطهارة باب 151 ، وابن ماجة في الطهارة باب 94 .